المعرض الجماعي انبعاث - Jamila Achour Gallery

المعرض الجماعي انبعاث

عالم مليء بالجمال والغرابة في متحف صغير

في مدينة المرسى، في 3 نهج ناصر باي، في مكان يعج بالحياة ولا تهدأ الحركة فيه، افتتح رواق فنون، رواق جميلة عاشور. سيدهش من يزور المعرض الجماعي الأول للرواق « انبعاث » (Reviviscence) من 1 جوان – 2 جويلية 2022، الذي يضم لوحات لثمانية وثلاثين فناناً من مختلف الأجيال والحساسيات الفنية بفضل رفعة الأعمال المختارة.

درست جميلة عاشور المحاسبة وإدارة الأعمال وكانت من المتفوقين في دراستها، وتابعت تعليمها العالي في باريس، حيث حصلت على الماجستير في العلوم الاجتماعية والاقتصادية. ولكن لقاء جميلا بدل مسارها وجعلها تغير وجهتها إلى مجال وجدت أنه مجالها الحيوي وعالمها الوحيد، إذ أصبحت منذورة للمزاوجة بين الحس الفني والموهبة في إدارة الأعمال.

نشأت جميلة في الضاحية الشمالية قرب البحر وكبرت هناك بين قرطاج صلامبو وسيدي بوسعيد، حيث منزل الجد، وتأثرت بجدتها، الفنانة العصامية في فن التطريز والمرأة المتحررة. على هذا النحو تشبعت منذ الطفولة بذكاء اللمسة، بالألوان وبكيفية تطريزها بانسجام. في باريس، التقت بالفنان التشكيلي والنحات الكبير منصف منسي، الذي قضى أكثر من خمسين سنة باليونان، وتخرج من كلية الفنون الجميلة ببروكسل، وقضى حياته بين اليونان وفرنسا. وهو من معاصري ورفاق نجيب بلخوجة والزبير التركي. كان هذا اللقاء الذي قادها إلى حيث يجب أن تكون، حيث أخبرته أنها مولعة بكل ما هو فن، وأرادت أن تتعلم.

أيقظ منصف فيها الحساسية للفن التشكيلي، ومعه تدربت على تقنيات الفن. أرادها أن تتخصص في مجال تحتاجه تونس، وهو أن تكون وكيلاً فنياً تقوم بالدعاية والتسويق وتنظيم المعارض. بحكم تكوينها في الاقتصاد الثقافي والمعرفة بتاريخ الفن، وهو لا يزال يؤطرها حتى الآن. تقول جميلة عاشور إنها لا تريد للرواق الذي افتتحته أن يكون مجرد رواق بل متحفاً للفن، مفتوحاً على كل التقنيات والأجيال وملتقى للفنانين المكرسين والمواهب الشابة، فناني الغد.

منذ عشر سنوات، قال لها معلمها منصف منسي ذات لقاء: « أنت الآن فراشة وعليك التحليق بأجنحتك الخاصة. » ولجت جميلة إلى ميدان الفن الصعب وبدأت بالتعرف على الفنانين، بعد أن امتلأت بالخبرات والمعرفة. تكتب المعرفة بالتجربة والبحث، وهي أيضاً هبة من السماء. بعد أن امتلكت عيناً تميز ما هو جميل ورفيع، أنشأت صفحة على الإنترنت (Art Agency) لبيع اللوحات، وبلغ عدد مشتركيها أكثر من ثمانية آلاف مشترك. اختارت أن تكون صعبة مع نفسها ومع الفنانين الذين تختارهم.

ثم أنشأت هذا المتحف الصغير، كما تقول، في مكان يمتلئ بحركة الحياة، كما هو الحال في فرنسا أو بلجيكا، حيث تجد في كل ركن وشارع رواقاً أو مساحة للفنون كجزء من هندسة الفضاء. تسعد حين يدخل أطفال إلى رواقها، فلا يوجد أقوى من الفن لتهذيب الذوق والتربية على الجمال وإيقاظ الحس الرفيع. تقول وتستطرد في هدوء، أريد للرواق أن يكون ملتقى للنقاش والتبادل في كل ما يهم المشهد الفني في تونس، وليس رواقاً كلاسيكياً. استثمرت فيه بمواردها الخاصة، ولكي يستمر فضاء الجمال هذا، تحتاج إلى الدعم من وزارة الشؤون الثقافية. في الرواق، وكما يبرز من الأعمال المعروضة، تعمل جميلة عاشور على توفير فرص الظهور للفنانين من داخل تونس، أولئك المنسيين لأنهم بعيدون عن المركز، مثل: حمدي مزهودي (تبرسق)، عبد اللطيف رمضاني (القيروان)، مروان ماجد (نابل)، وأيضاً تفتح رواقها لفنانين قادمين من آفاق أخرى: المحاماة، الهندسة، الصحافة.

حين تجمع بين أعمال فنانين صاعدين وأعمال فنانين راسخين ومعروفين في نفس الفضاء ونفس المعرض، فإنك بذلك تحرضهم على الإبداع أكثر وتكسبهم الثقة في أنفسهم. تقول جميلة عاشور، وتضيف أنها تعتز كثيراً بشهادة الفنان الكبير نجا المهداوي، الذي زار المعرض وراقه كثيراً المستوى الرفيع لما هو معروض ومنتقى من لوحات ومن منحوتات وأعمال خزفية. أشار إليها بضرورة توثيق المعرض في كتاب، وهو ما تعمل على إنجازه رغم شح الموارد وكثرة الأعباء المادية، وسيكون الكتاب متوفراً على الأقل في صيغة كاتالوغ رقمي.

زائر المعرض سيدهش فعلاً من المستوى الذي عليه الفن التشكيلي في تونس. إلى جانب لوحات جديدة للفنان حمادي سعد وأخرى للأمين ساسي، وأحمد زلفاني، ومحمد مفتاح (حفورات فنية تعود إلى سنوات 1973 و1975 عندما كان مقيماً بباريس)، وزياد الصرم، وعماد جميل، وعثمان طالب، وأكرم توجاني، ويوعزيز محمد، ودنيا بن صالح، ونادية شرقي، وأميرة مطيعة، وحمزة موسى، وثريا طرابلسي، ومحمد أمين اينوبلي، وآخرين من كل المدارس والاتجاهات والأجيال، حتى أنك تخال نفسك في عالم مليء بالجمال والغرابة.

كمال الهلالي

Panier
Retour en haut